الأمير الحسين بن بدر الدين
116
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
عامة في نفي رؤية موسى له تعالى من دون تخصيص لوقت دون وقت . وذلك يدل على أن موسى لا يراه أبدا في الدنيا ولا في الآخرة ؛ ولأن لفظة لن موضوعة في اللغة لتأبيد النفي حقيقة ، وإذا استعملت في غير ذلك فعلى وجه المجاز ، فكأنه قال لموسى : لن تراني أبدا ، وإذا لم يره موسى ، فمن دونه أحرى بأن لا يراه . يزيد ذلك وضوحا أنه علّق الرؤية في المستقبل بشرط استقرار الجبل عند تحريكه ، وهذا الشرط لم يحصل فلا تحصل الرؤية في المستقبل ، ولأنه علّق الرؤية بشرط مستحيل وهو استقرار الجبل في حال تحريكه وتدكدكه وهو لم يستقر « 1 » في تلك الحال كما قال تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [ الأعراف : 143 ] وإذا علّق تعالى رؤيته بشرط مستحيل وجب أن تستحيل رؤيته أيضا ، وهذه طريقة العرب فيما يريدون به التبعيد وتأكيد التأبيد كما قال شاعرهم : وأقسم المجد حقّا لا يحالفهم * حتى يحالف بطن الراحة الشّعر « 2 » وإذا ثبت ذلك قلنا : إن موسى لم يسأل الرؤية لنفسه ، بل هو عالم بأنه تعالى لا يرى ، وإنما سأل الرؤية عن قومه وجعل السؤال لنفسه ليعلم قومه أنه إذا منع الرؤية فهم أولى بالمنع ، يصدّقه قول اللّه تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء : 153 ] وهذه الآية شاهدة بتنزيه اللّه تعالى عن الرؤية ؛ لأن إنزال الصاعقة بهم يدلّ على عظيم « 3 » جرمهم في
--> ( 1 ) في ( ب ) : لا يستقر . ( 2 ) وأيضا قول الشاعر : ولو طار ذو حافر قبلها * لطارت ولكنه لم يطر ( 3 ) في ( ب ) ( ج ) : عظم .